بقلم: [محمد الشحات سلامة]
في وقت تتصاعد فيه طبول الحرب في الخليج، لم يعد السؤال هو: "متى ستبدأ الضربة؟"، بل "من سيقودها وكيف ستنتهي؟". الزلزال الذي ضرب أروقة البنتاغون بإقالة كبار قادة الجيش الأمريكي، وعلى رأسهم الجنرال راندي جورج، ليس مجرد تغيير في الوجوه، بل هو انقلاب على "العقل العسكري الواقعي" لصالح "المغامرة السياسية" التي تعتقد أن التفوق التقني يمكنه حسم المعارك على الأرض.
1. "مذبحة الجنرالات": إزاحة صوت العقل
تؤكد المعطيات أن الخلاف داخل هيئة الأركان المشتركة لم يكن فنياً، بل كان حول "استحالة الحسم البري". القادة المقالون يدركون جيداً أن الصواريخ الذكية والمسيرات الانتحارية قد تدمر المنشآت، لكنها لا تستطيع احتلال الجبال. إزاحة هؤلاء القادة تعني أن إدارة ترامب تبحث عن "منفذين" لا "مفكرين"، قادة مستعدين للمخاطرة بجنودهم في تضاريس لم ينجُ منها غازٍ عبر التاريخ.
2. وهم التفوق التقني: حين يتحول الذكاء إلى عبء
يسقط القادة السياسيون دائماً في فخ "الغرور التكنولوجي". يعتقدون أن امتلاك السيطرة الجوية المطلقة يعني النصر. لكن الواقع الميداني يقول إن التقدم التقني غالباً ما يكون سبباً في الهزيمة عندما يواجه "حرباً غير متكافئة".
شلل التكنولوجيا: الاعتماد الكلي على الـ GPS والاتصالات الفضائية يصبح نقطة ضعف قاتلة أمام عدو يقاتل بأساليب تقليدية وبدائية وسط التضاريس الوعرة.
الاستنزاف المالي: استخدام صواريخ بملايين الدولارات لضرب أهداف منخفضة التكلفة هو انتحار اقتصادي قبل أن يكون عسكرياً.
3. الجندي الإيراني وتضاريس "زاجروس"
بعيداً عن بريق الشاشات، تظل الأرض هي الحكم. المقاتل الإيراني يمتلك ميزتين لا تملكهما التكنولوجيا الأمريكية:
عقيدة الأرض: القتال وسط الجبال والكهوف والمدن المكتظة يحوّل كل متر إلى "كمين" محتمل.
المرونة القتالية: القدرة على العمل خارج إطار المنظومة التقنية المركزية، مما يجعل ضربات "قطع الرأس" التقنية بلا جدوى ميدانية حقيقية.
4. الخليج في فوهة المدفع
بينما تستعد القوات الأمريكية لعمليات "رأس جسر" خاطفة، يدرك المتابعون الواقعيون أن دول المنطقة هي من ستدفع فاتورة "الاستفزاز". فإيران، التي تعجز عن مواجهة أمريكا تكنولوجياً، ستلجأ إلى "القوة الخشنة" المتاحة لديها: إغلاق المضايق، حرب العصابات البحرية، وضرب المنشآت الحيوية بأسلحة رخيصة لكنها فتاكة اقتصادياً.
الخلاصة: هل يعيد التاريخ نفسه؟
إن إصرار واشنطن على الدفع بقادة يفتقرون للواقعية الميدانية هو تكرار للأخطاء التاريخية الكبرى. قد تنجح التكنولوجيا في تدمير الأهداف من الجو، لكنها ستفشل حتماً في مواجهة الجندي الذي يلتحف بالأرض ويفهم لغتها. النصر في النهاية ليس لمن يمتلك الصاروخ الأغلى، بل لمن يستطيع الصمود فوق التراب لفترة أطول.
