✍️بقلم: محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي بجريدة الشارع المصري الإخبارية
لم أكن أعلم أن الجدران تنطق بالوحشة، وأن الزوايا التي كانت تضج بالحياة يمكن أن تصبح فجأة صامتة وموحشة إلى هذا الحد، إلا حين غادرتِ يا أمي. لطالما آمنت ببيت الشعر القائل: "وما كنت أهوى الدار إلا بأهلها"، واليوم أدرك يقيناً أنكِ كنتِ أنتِ "الأهل"، وأنتِ "الدار"، وأنتِ السكينة التي تجعل للأشياء قيمة وللأيام معنى.
رحيل الأم ليس مجرد غياب جسد، بل هو انكسار في عمود الخيمة الذي يستند إليه القلب. لقد رحلتِ يا قرة العين، ورحل معِك طعم الحياة، ودفء الدعاء الذي كان يحرسني في غدوي ورواحي. كنتِ الملاذ الآمن من ضجيج الدنيا، والمرفأ الذي أركن إليه كلما عصفت بي رياح المتاعب.
اليوم، أقف أمام عتبات دارنا، أبحث عن طيفك في كل ركن، أنتظر صوتك الذي يملأ المكان طمأنينة، فلا أجد إلا صدى الذكريات، وإيماناً بقدَر الله الذي لا رادّ له. لقد تركتِ في القلب غصة لا يداويها إلا الرجاء في لقاء عند حوض المصطفى ﷺ، وفي الروح فراغاً لن يملأه أحد بعدك.
إنني اليوم، ومن محراب قلمي الذي اعتاد الكتابة عن قضايا الوطن والناس، أجدني عاجزاً عن رثائك كما تستحقين. فمهما بلغت الفصاحة، تظل الكلمات قاصرة أمام جلال قدرك وعظيم تضحياتك. لقد علمتِنا الصبر والوفاء، واليوم أمارس ما تعلمته وأنا أودعك بقلبٍ مؤمن راضٍ، ولسانٍ يلهج بالدعاء: "اللهم اغفر لها وارحمها، وأسكنها الفردوس الأعلى من الجنة".
على الدار بعدك يا أمي سلام، وعلى قلبي بعد رحيلك صبراً جميلاً، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
