بقلم/ محمد الشحات سلامة (محرر إعلامي وصحفي)
في مشهدٍ رياضيٍّ متوتر، لم يعد مجرد منافسة على كأس أو مباراة كرة قدم عابرة، بل تحوّل إلى صراع نفوذ وعقلية استثمارية صريحة، تلقى الشارع الرياضي المصري صدمة مدوية. المفاجأة لم تكن في طبيعة العرض، بل في الكبرياء الاحترافي الذي دارت به كواليس القلعة الحمراء؛ حيث يدرس مجلس إدارة النادي الأهلي، بالتنسيق مع شركة كرة القدم، توجيه "صفعة تسويقية تاريخية" لاتحاد الكرة والشركة الراعية لبطولة السوبر المحلي.
القصة بدأت بخطاب "استجداء تسويقي" يطالب بمشاركة المارد الأحمر عبر بطاقة "الكارت الذهبي" الاستثنائية لإنقاذ النسخة المقبلة من الفشل الجماهيري والإعلاني المضمون في حال غيابه. إلا أن الرد الأهلاوي جاء بالصمت الصاخب: تجاهُل تام، وتجميد للخطاب، ودراسة جادة للاعتذار عن اللعب، والتوجه بدلاً من ذلك إلى ملاعب الخليج حيث العوائد الخرافية.
لغة الأرقام تدهس الهواة: لماذا يرى الأهلي جوائز السوبر "فتاتاً"؟
خلف الأبواب المغلقة في مقر النادي بالجزيرة، لم يعد القرار يُتخذ بالعواطف أو بمجاملة التوازنات المحلية. الإدارة الأهلاوية باتت تدار بفكر يضاهي أندية "البريميرليج" والأندية الأوروبية الكبرى، حيث المعادلة واضحة: الوقت يساوي المال، وجهد اللاعبين استثمار يجب تعظيمه.
ويمكن تلخيص الموقف الأحمر في نقاط جوهرية:
- رفض سياسة المسكنات: الأهلي يرى أن وضعه في خانة "الانتظار" أو منحه كارت استثنائي للمشاركة هو أمر لا يليق ببطل القارة الأوحد والمحرك الرئيسي للكرة العربية، ويرفض تماماً تفصيل اللوائح اللحظية.
- العائد المالي الهزيل: الجوائز المالية المرصودة لبطولة السوبر المحلي باتت "غير مجدية" بالمرة؛ فهي لا تغطي تكاليف السفر، ولا رواتب الصفقات العالمية الجديدة، ولا تتناسب مع حجم الإجهاد البدني والذهني الذي يتعرض له اللاعبون في مواسم متلاحمة.
- البديل العربي الذكي: بدلاً من استنزاف القوة الضاربة للفريق في بطولة ضعيفة العائد محلياً، يدرس النادي عروضاً تسويقية خيالية لخوض مباراتين وديتين كبار في (الإمارات أو السعودية)، بعائد مادي يفوق جوائز السوبر بأضعاف مضاعفة، وفي أجواء احترافية خالية من الضغوط العصبية والتحكيمية.
درس الصيف الماضي: تأتي هذه الرؤية الصارمة بعد أن استوعبت الإدارة الدرس جيداً؛ فالأهلي اعتذر في وقت سابق عن عرض خليجي يسيل له اللعاب لمواجهة قطب سعودي كبير بسبب الارتباط بأجندة محلية عقيمة، وهو الخطأ التسويقي الذي أقسمت إدارة بطل أفريقيا ألا تكرره مجدداً.
بورصة الرياضة: الأهلي هو من يمنح البطولة قيمتها وليس العكس
التحليل الاقتصادي الدقيق للمشهد يضع المنظومة الرياضية أمام مرآة الحقيقة العارية: من يحتاج الآخر في سوق الاستثمار الرياضي؟
عندما يتحرك اتحاد الكرة والراعي الرسمي ليلهثوا خلف موافقة النادي الأهلي، فهم يدركون جيداً أن غياب الشعار الأحمر يعني ببساطة: مدرجات خاوية، نسب مشاهدة تلفزيونية تقترب من الصفر، وانسحاباً جماعياً للمعلنين والشركات الراعية التي لا تدفع الملايين إلا لرؤية "المارد الأحمر".
الأهلي هنا لا يتعالى، بل يمارس حقه الطبيعي كقوة تسويقية عظمى. إن قيمة اللاعبين السوقية وتطلعات الجماهير قبل معترك مونديال الأندية 2026، تفرض على النادي البحث عن بيئة تضمن للاعبيه الاحتكاك العالمي والعائد المالي الذي يغطي سقف الطموحات الحمراء المتصاعد.
الختام: الكبرياء الاستثماري في زمن الاحتراف
يا سادة، لقد انتهى زمن اللعب من أجل "شهادات التقدير" والبطولات الورقية التي تفشل المنظومة في إدارتها بنزاهة وعدالة تنظيمية. الأهلي اليوم يلقن الجميع درساً قاسيًا في الكبرياء الاستثماري؛ نحن أمام نادٍ يعلم قيمته جيّداً، يرفض فتات الجوائز، ويملك جماهيرية جارفة في كل شبر بالوطن العربي تنتظر قطاره العالمي في الدوحة ودبي والرياض.
عندما يقرر الكبير الابتعاد ترتجف الميزانيات، وتتحرك الوساطات.. ارفع رأسك فأنت تنتمي لمؤسسة تبيع "الوديات" بملايين الدولارات، وتترك الآخرين يتصارعون على فتات المجاملات المحلية!
