بقلم/ محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي ومحلل سياسي
شهدت الساحة الدولية خلال الساعات الماضية تحولاً دراماتيكياً لافتاً، بعد أن فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قنبلة دبلوماسية عبر منصته "تروث سوشيال"، أعلن فيها صراحةً ربط مسار المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب مع إيران بـ "شرط إلزامي" يقضي بانضمام ست دول عربية وإسلامية محورية إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية" للتطبيع مع إسرائيل.
ترامب، الذي وصف المفاوضات مع طهران بأنها "تسير بشكل جيد"، لم يتردد في استخدام لغة "الطلب الإلزامي" (Mandatorily Requesting)، معتبراً أن توسيع رقعة الاتفاقيات الإبراهيمية يمثل الضمانة الوحيدة لما أسماه "سلاماً حقيقياً وقوة في الشرق الأوسط". إلا أن هذا الاندفاع الدبلوماسي الأمريكي سرعان ما اصطدم بصخرة المواقف المبدئية لعواصم إسلامية ثقيلة، وعلى رأسها الرياض وإسلام آباد، مما يفتح الباب أمام قراءة جديدة لخارطة التحالفات والضغوط في المنطقة.
جبهة الرفض الصارم: الثوابت الأيديولوجية وحل الدولتين
لم تضع العواصم الكبرى وقتاً طويلاً للرد على الطرح الأمريكي؛ فجاءت المواقف حاسمة لتعكس عمق الفجوة بين حسابات واشنطن وثوابت الأمن القومي للدول المستهدفة:
- باكستان (الرد الفوري الصادم): سارعت إسلام آباد إلى توجيه صفعة دبلوماسية لطلب ترامب؛ حيث خرج وزير الدفاع الباكستاني "خواجة محمد آصف" في مقابلة تليفزيونية ليعلن رفض بلاده القاطع، مؤكداً أن الانضمام لهذه الاتفاقيات "يتعارض تماماً مع الأيديولوجية الأساسية لباكستان". وتساءل آصف بحدة: "كيف نجلس مع أشخاص لا يمكن الوثوق بكلمتهم ليوم واحد؟"، مذكّراً بالعقيدة السياسية لبلاده والمدونة حتى على جواز السفر الباكستاني الذي يمنع صراحة السفر إلى إسرائيل.
- المملكة العربية السعودية (موقف "الممر غير القابل للتراجع"): بالتزامن مع الضغوط الأمريكية، أكدت مصادر سعودية مطلعة على الموقف الرسمي للمملكة أنه "لا تطبيع ولا علاقات مع إسرائيل دون مسار لا رجعة فيه لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة" على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وهو الموقف الثابت الذي يرفض مقايضة الملفات الإقليمية بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
خارطة المواقف: بين دول "الاتفاق" الأصلية والدول المستهدفة بالضغط
لكي نفهم تعقيد المشهد الذي أراد ترامب صياغته، يجب تفكيك خارطة الدول وفقاً لمواقفها الحالية من "الاتفاقيات الإبراهيمية":
أولاً: دول وقعت وانضمت بالفعل (محور الموافقة)
وهي الدول التي انخرطت في المسار الإبراهيمي منذ عام 2020 وتعتبرها إدارة ترامب حجر الأساس في هذا المشروع:
- الإمارات العربية المتحدة (الموقع الأول والشريك الاستراتيجي للأحداث).
- مملكة البحرين (وقعت بالتزامن مع الإمارات).
- المملكة المغربية (انضمت لاحقاً في إطار تفاهمات ثنائية).
- جمهورية السودان (وقعت على البند العام للاتفاق).
- جمهورية كازاخستان (التي أشار إليها ترامب مؤخراً كجزء من المنظومة الموسعة).
ثانياً: دول يطالبها ترامب بالانضمام الفوري (تحت الضغط الدبلوماسي)
شملت دعوة ترامب توليفة من الدول، بعضها يمتلك بالفعل معاهدات سلام قديمة ورفض تاريخياً تحويلها لـ "إطار إبراهيمي"، وبعضها الآخر يرفض المبدأ من أساسه:
- السعودية وقطر: حددهما ترامب بالاسم للتوقيع "فوراً" عقب إتمام الاتفاق الإيراني.
- باكستان: (أعلنت رفضها الرسمي كما أشرنا).
- جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية: وهي دول ترتبط بمعاهدات سلام تاريخية (كامب ديفيد 1979 ووادي عربة 1994)، إلا أنها ترفض بشكل قاطع تذويب القضية الفلسطينية في أطر إقليمية مشروطة تفرضها واشنطن.
- تركيا: التي تمتلك علاقات دبلوماسية تاريخية متأرجحة مع إسرائيل، وتخضع لضغوط مكثفة لتبني هذا المسار.
التحليل السياسي: لماذا يربط ترامب ملف إيران بالتطبيع؟
إن لجوء الرئيس الأمريكي لخلط الأوراق بين مسار "إنهاء الحرب مع إيران" ومسار "التطبيع الإبراهيمي" يعكس استراتيجية التفاوض التجاري التي يفضلها؛ فهو يرى في التهدئة مع طهران وفك حصار مضيق هرمز "جائزة إقليمية" يجب على الدول الإسلامية والعربية دفع ثمنها سياسياً لصالح تل أبيب.
لكن هذا المنطق يغفل تماماً التوازنات الداخلية والمعادلات العقائدية والسياسية لعواصم مثل إسلام آباد والرياض. فالمعادلة الإقليمية الحالية، بعد جولات الصراع المريرة في غزة ولبنان وإيران، جعلت من الصعب بمكان على أي قوى إقليمية تجاوز الملف الفلسطيني كشرط أساسي لأي ترتيبات أمنية مستدامة.
خلاصة القول:
إن الرفض الباكستاني الصارم، والممانعة السعودية المتمسكة بحل الدولتين، يثبتان أن هندسة الشرق الأوسط الجديد لا يمكن أن تُصاغ بـ "منشورات" السوشيال ميديا أو برغبات البيت الأبيض المنفردة. لقد أراد ترامب تحويل اتفاقه المرتقب مع إيران إلى "حدث تاريخي" يفرض شروطه على الجميع، لكن "لا" الإيديولوجية الباكستانية و"لا" الاستراتيجية السعودية أعادتا الأمور إلى نصابها: السلام في المنطقة يمر عبر بوابة الحقوق المشروعة، وليس عبر الصفقات المشروطة.
تحريراً في: مايو 2026
بقلم/ محمد الشحات سلامة
