JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
الصفحة الرئيسية

🖊بالوثائق والوجدان: هل حجَّ المصريون القدماء قبل بناء الكعبة؟.. الحقيقة بين جداريات سقارة ونبوة إدريس


🖊بالوثائق والوجدان: هل حجَّ المصريون القدماء قبل بناء الكعبة؟.. الحقيقة بين جداريات سقارة ونبوة إدريس

​بقلم: محمد الشحات سلامة (محرر إعلامي وصحفي)

​تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً صورة أثارت جدلاً واسعاً، تُظهر ما وُصف بأنه "مشهد حقيقي معدل لذبح الحيوانات الأضحية في مصر القديمة منذ 4500 عام"، مستنداً إلى جداريات شهيرة في منطقة سقارة الأثرية، ومصحوباً بتساؤل مثير للتأمل: "هل المصريين القدماء كانوا يحجون قبل الكعبة؟".

​بين انبهار الجمهور بدقة التفاصيل، وطرح أسئلة تمس جذور العقائد والطقوس، يصبح من المسؤولية الصحفية والمهنية أن نضع هذا المشهد تحت مجهر التدقيق؛ لنفصل بين اللوحة الأصلية واللوحة المولدة رقمياً، ولنجيب علمياً وإيمانياً على حقيقة "التوحيد والحج" عند أجدادنا الفراعنة.

​أولاً: حقيقة الصورة.. عبقرية "سقارة" في فخ "الذكاء الاصطناعي"

​عند النظر بتمعن في الصورة المتداولة، نجد أننا لسنا أمام جدارية أثرية حقيقية صامتة، بل أمام تصميم رقمي تم توليده وتعديله بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI).

​رغم أن التصميم مستوحى بالفعل من جداريات حقيقية فائقة الدقة والجمال لعمليات ذبح وتجهيز الأبقار كقرابين (مثل تلك الموجودة في مصطبة "تي" أو "مريروكا" في سقارة من عصر الدولة القديمة)، إلا أن الذكاء الاصطناعي وقع في أخطائه المعتادة التي تكشف زيفه للمتخصصين:

  • ​الهيروغليفية العشوائية: النقوش والكتابات الظاهرة في خلفية الصورة لا تشكل كلمات أو جمل حقيقية، بل هي مجرد "رموز تصويرية عشوائية" تشبه الخط المصري القديم دون قواعد نحوية أو لغوية.
  • ​التفاصيل التشريحية والأدوات: الأسلوب الفني في نحت العضلات، الملامح البشرية، وحجم الأدوات يحمل طابعاً سينمائياً حديثاً يفتقر إلى نسب "المجسمات" والخطوط الصارمة الهندسية التي ميزت الفن المصري القديم.

​الخلاصة هنا: المشهد يعبر عن "روح" الطقس المصري القديم في الذبح، لكنه إعادة تخيل رقمية حديثة وليس وثيقة أثرية فوتوغرافية.

​ثانياً: ذبح الأبقار في مصر القديمة.. طقس عقائدي منظم

​عاش المصري القديم في تناغم شديد مع بيئته، وكانت الماشية (خاصة الثيران والأبقار) تمثل ثروة قومية ورمزاً عقائدياً هاماً في الفكر المصري القديم كرموز للعطاء والنظام الكوني.

​ولم يكن الذبح في مصر القديمة لمجرد الاستهلاك اليومي العشوائي، بل كان محكوماً بطقوس صارمة:

  1. ​تقديم القرابين: كانت الثيران تُذبح لتقدم كقرابين في المعابد، أو للمتوفى في المقابر لضمان حياته في العالم الآخر.
  2. ​الطهارة والتدقيق: كان هناك "كهنة متخصصون" لفحص الماشية قبل ذبحها للتأكد من سلامتها وخلوها من الأمراض، وكان الذبح يتم بأسلوب منظم للغاية عبر ربط الأرجل وإسقاط الحيوان، تماماً كما استلهمه التصميم الرقمي.

​ثالثاً: الجذور الأولى.. هل كان المصريون موحدين وأحفاداً للنبي إدريس؟

​عند الانتقال إلى السؤال الأعمق حول الحج والطواف، ينقسم الطرح هنا إلى مسارين يكمل أحدهما الآخر؛ مسار الأثر المادي الموثق، ومسار الوجدان والإيمان التاريخي:

​1. الرؤية الإيمانية والتاريخية: صدى شريعة "إدريس عليه السلام"

​يميل قطاع كبير من المفكرين والباحثين في التاريخ الإسلامي والأنثروبولوجيا إلى رؤية إيمانية عميقة، ترى أن الحضارة المصرية في جوهرها بدأت بومضة توحيد قوية كبقية الأمم التي أرسل الله فيها مبشرين ومنذرين.

​وتشير هذه الرؤية إلى أن المصريين القدماء هم في الأصل أحفاد نبي الله إدريس عليه السلام (الذي وصُف في القرآن والآثار بأنه أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، وعاش على أرض مصر). ووفقاً لهذا الاجتهاد، فإن طقوس "الطواف" ببيت الله الحرام والرحلات المقدسة قد عُرفت في أيام سيدنا إدريس عليه السلام كشريعة توحيدية أولى لإله واحد أحد. وبمرور القرون وتعاقب الأجيال، انحرفت بعض هذه الطقوس وتحورت لتأخذ طابعاً وثنياً وتعددياً، لكنها احتفظت في جوهرها وحركتها (كالطواف والرحلة النيلية المقدسة) بالبصمة الروحية القديمة لتلك الشريعة السماوية.

​2. الرؤية الآثارية الصرفة: "أبيدوس" ومفهوم الرحلة المقدسة

​من جانب علم الآثار والتوثيق الصارم المبني على البرديات والنقوش المكتشفة حتى الآن:

  • ​عرف المصري القديم ما يُسمى بـ "الرحلات المقدسة"، وكان المقصد الأساسي للحج المصري هو مدينة "أبيدوس" (في محافظة سوهاج الحالية)، باعتبارها المركز الرئيسي لعبادة "أوزيريس" (رمز البعث والحساب والعدالة).
  • ​كان كل مصري يتمنى أن يقوم برحلة "الحج" إلى أبيدوس في حياته، أو يتم تصوير مركبه في مقبرته وهو يقوم بهذه الرحلة الرمزية بعد وفاته، لنيل البركة وضمان العبور الآمن للعالم الآخر.

​خلاصة القول

​إن استخدام التكنولوجيا الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي لإعادة إحياء التاريخ المصري هو أمر مبهر ومطلوب لتقريب الصورة للأجيال الجديدة، ولكن بشرط ألا نخلط بين الوثيقة الأثرية والتصور الرقمي.

​وفي النهاية، يبقى الوجدان المصري دليلاً على أن هذه الأرض لم تكن يوماً غريبة عن الإيمان؛ فبينما يوثق علم الآثار طقوساً محلية مهيبة في "أبيدوس" وسقارة، يظل التاريخ الإيماني يذكرنا بأن مصر كانت مهداً لأوائل الموحدين، وأن طقوس التقديس والطواف والذبح المنظم ما هي إلا صدى بعيد لشرائع الأنبياء الأقدمين -وعلى رأسهم نبي الله إدريس عليه السلام- التي نبتت في طمي هذه الأرض الطيبة وصمدت روحها في وجدان الفراعنة عبر آلاف السنين.

🖊بالوثائق والوجدان: هل حجَّ المصريون القدماء قبل بناء الكعبة؟.. الحقيقة بين جداريات سقارة ونبوة إدريس

محمد الشحات سلامة

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة