بقلم: محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي بجريدة الشارع المصري الإخبارية
في قلب الصحراء الغربية، حيث يلتقي التحدي بالإرادة، تدق الآن طبول العمل في واحد من أخطر وأهم المشروعات الاستراتيجية في العصر الحديث. ليست مجرد أمتار مكعبة من الرمال تُزاح، بل هي عملية "جراحية كبرى" في جسد الجغرافيا المصرية لضمان صمود "سدنا العالي" وحماية مقدرات هذا الوطن من أي تقلبات مائية، سواء كانت طبيعية أو ناتجة عن متغيرات إقليمية.
المواجهة الكبرى: 1200 معدة تُسابق الزمن
لقد بدأت "ساعة الصفر" فعلياً؛ فالمشهد في مفيض توشكى اليوم يعكس استنفاراً أشبه بالاستعدادات العسكرية. أكثر من 1200 معدة هندسية تعمل على مدار الساعة لرفع كفاءة وتوسعة المفيض، في ملحمة تهدف لتمكين المنظومة من استيعاب وتخزين نحو 120 مليار متر مكعب من المياه. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو "درع مائي" يوفر لمصر مرونة استراتيجية غير مسبوقة في إدارة فوائض الفيضانات وحالات الطوارئ.
لماذا توشكى الآن؟ (رؤية استراتيجية)
إن توسعة المفيض في هذا التوقيت بالذات تحمل رسائل عدة، لعل أبرزها:
تأمين "صمام الأمان": تحويل توشكى من مجرد مفيض طوارئ إلى "مخزن استراتيجي" عملاق يقلل الضغط على بحيرة ناصر ويحمي جسم السد العالي من المناسيب الحرجة.
الرد التقني على التحديات الإقليمية: في ظل المتغيرات التي تشهدها دول حوض النيل، تضع الدولة المصرية سيناريوهات استباقية للتعامل مع أي تدفقات مفاجئة أو تغييرات في حصص المياه، لضمان عدم هدر نقطة مياه واحدة خارج نطاق السيطرة.
التحكم الرقمي: الانتقال من السواتر التقليدية إلى نظام البوابات الإلكترونية الذكية يمنح صانع القرار في القاهرة القدرة على التحكم اللحظي في مسارات المياه بدقة متناهية.
خلاصة القول: الإرادة فوق التحدي
إن ما يحدث في توشكى اليوم هو تجسيد حقيقي لمفهوم "الدولة القادرة". نحن لا ننتظر الأزمات لنعالجها، بل نصنع المسارات التي تمنع وقوعها. إن توسعة المفيض هي إعلان صريح بأن أمن مصر المائي خط أحمر، تُرسم ملامحه بعرق العمال وقوة الجرافات، وتحت إشراف عيون لا تنام تؤمن بأن النيل كان وسيبقى شريان الحياة الأبدي للمصريين.
ستظل "توشكى" الشاهد العيان على أن مصر، حين تقرر، تنفذ.. وحين تتحدى، تنتصر.
