JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
Accueil

🖊ميدان اختبار خلف الستار: لماذا نبشت واشنطن قبور مختبراتها البيولوجية في أوكرانيا الآن؟



🖊ميدان اختبار خلف الستار: لماذا نبشت واشنطن قبور مختبراتها البيولوجية في أوكرانيا الآن؟


​بقلم: فاطمة بن بلقاسم – تونس
​لم يكن إعلان مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، تولسي غابارد، عن فتح تحقيق رسمي واسع النطاق يشمل أكثر من 120 منشأة بيولوجية أمريكية في الخارج، مجرد إجراء إداري عابر، بل كان بمثابة حجر ثقيل أُلقي في ركود المياه الجيوسياسية، ليعيد إحياء ملف "المختبرات البيولوجية العسكرية" الذي اعتقد الكثيرون أنه دُفن تحت رماد المعارك المستعرة في أوكرانيا.
​هذا التحقيق، الذي يحمل بوضوح بصمات مباركة الرئيس دونالد ترامب، يطرح علامات استفهام كبرى حول التوقيت، والخلفيات السياسية، والاعترافات الضمنية التي تحاول واشنطن صياغتها بذكاء لتفادي سيناريوهات كارثية.
​الهروب إلى الأمام: استراتيجية "الإفصاح الذاتي القسري"
​تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية يخبرنا أن واشنطن غالباً ما تلجأ إلى ما يُعرف بـ "الإفصاح الذاتي" عندما تدرك أن حجم التسريبات القادمة أكبر من قدرتها على الإنكار. السيناريو الحالي يعيد إلى الأذهان تحقيقات الكونغرس السابقة حول فضائح سجن "أبو غريب" في العراق، وجرائم مرتزقة "بلاك ووتر"، والسجون السرية لوكالة المخابرات المركزية (CIA).
​في كل تلك المحطات، كان الهدف امتصاص الصدمة وتحويل الأزمة الدولية إلى شأن داخلي تحت مسمى "الشفافية والمحاسبة"، وهو ما تفعله إدارة ترامب اليوم؛ حيث يُرفع شعار "حماية الأمن القومي والمواطن الأمريكي من مسببات الأمراض المطورة بأموال أمريكية" كغطاء استباقي لأي كشوفات صادمة قد تصدر عن جهات معادية كروسيا أو الصين.
​تصفية الحسابات الداخلية والزلزال الانتخابي
​لا يمكن فصل هذا التوقيت عن معركة كسر العظام السياسية داخل الولايات المتحدة. إن توجيه أصابع الاتهام إلى مشاريع بيولوجية مشبوهة أُنفقت عليها مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب خلال فترات الإدارات الديمقراطية السابقة، يمثل قنبلة سياسية موقوتة.
​مع اقتراب انتخابات الكونغرس الأمريكية، يسعى المعسكر الجمهوري إلى استخدام هذا الملف كورقة رابحة لضرب مصداقية الحزب الديمقراطي وتفكيك أركان ما يُعرف بـ "الدولة العميقة"، عبر إثبات أن السياسات الخارجية للديمقراطيين وضعت الأمن الصحي العالمي والأمريكي على حافة الهاوية.
​المسرح الأوكراني: من الإنكار إلى فخ الوثائق الروسية
​لطالما كان الملف الأوكراني هو الحلقة الأكثر سخونة؛ حيث يشمل التحقيق الجديد أكثر من 40 مختبراً على الأراضي الأوكرانية. بدأت الرواية الأمريكية بإنكار مطلق لوجود أي أنشطة بيولوجية عسكرية في أوروبا الشرقية، لكن نقطة التحول الكبرى حدثت في مارس 2022، عندما اعترفت نائبة وزير الخارجية آنذاك، فيكتوريا نولاند، أمام الكونغرس بوجود "منشآت أبحاث بيولوجية" مخلفةً مخاوف جديّة من سقوط موادها في أيدي القوات الروسية.
​هذا الاعتراف جاء بعد أن وضعت موسكو يدها على وثائق سرية خلال عملياتها العسكرية، وهي الوثائق التي تولى عرضها على الرأي العام الدولي الجنرال إيغور كيريلوف، قائد قوات الدفاع الإشعاعي والكيميائي والبيولوجي الروسي. هذه المعطيات عززت تحقيقات صحفية سابقة، كالملف الذي فجرته الصحفية البلغارية ديليانا جايتاندجيفا عام 2018 حول "أسلحة البنتاغون البيولوجية"، مما دفع دولاً مثل كوبا، وفنزويلا، ونيكاراغوا، بل والصين أيضاً، إلى المطالبة بمساءلة دولية علنية في أروقة الأمم المتحدة.
​شبح كوفيد-19 وصراع الروايات الجيوسياسية
​يدخل هذا التحقيق الأمريكي في تقاطع مثير مع واحدة من أعقد قضايا العصر: منشأ فيروس كوفيد-19. الصين، التي واجهت لسنوات اتهامات أمريكية بالمسؤولية عن تسريب الفيروس من مختبر ووهان، سارعت عبر إعلامها الرسمي بطرح "10 أسئلة" موجهة لواشنطن، ملمحة إلى دور مختبرات أمريكية (مثل فورت ديتريك) والمختبرات الخارجية في تفشي الجائحة.
​البيت الأبيض اليوم، بقيادة ترامب، يجد نفسه في تموضع دقيق؛ فهو لن يعترف أبداً بمسؤولية أمريكية عن الجائحة التي حصدت أرواح الملايين، لكنه عبر هذا التحقيق يحاول "تنظيف الملفات" وإعادة ترتيب قصة كوفيد-19 بما يضمن تبرئة الهياكل الأساسية للدولة، وإلقاء اللوم – إن وجد – على شركات خاصة أو مقاولين عسكريين نفذوا عقوداً لصالح البنتاغون دون رقابة كافية.
​خلاصة القول:
​إن قرار واشنطن بنبش ملف مختبراتها البيولوجية في أوكرانيا والعالم ليس صحوة ضمير أخلاقية، بل هو مناورة جيوسياسية بامتياز. هي محاولة لقطع الطريق على الدعاية الروسية والصينية عبر "تأميم الحقيقة" وإدارتها محلياً، وتحويل قنبلة موقوتة تهدد الأمن العالمي إلى مجرد أداة لتصفية الحسابات السياسية الداخلية في واشنطن. يبقى السؤال: هل ستنجح الإدارة الأمريكية في إغلاق هذا الصندوق الأسود بعد فتحه، أم أن الأسرار التي ستخرج منه ستكون أكبر من قدرة الجميع على الاحتواء؟

NomE-mailMessage